والآن يجيء السياق إلى قولتهم التي قالوها للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين عن اتباعه مخافة أن يفقدوا سلطانهم على قبائل العرب المجاورة ، التي تعظم الكعبة ، وتدين لسدنتها ، وتعظم أصنامها ، فتتخطفهم تلك القبائل ، أو يتخطفهم أعداؤهم من وراء شبه الجزيرة دون أن تساندهم هذه القبائل. فيبين لهم أين يكون الأمن وأين يكون الخوف من واقعهم التاريخي ، ومن حاضرهم الذي يشهدونه ، بعدما أبان لهم في هذه السورة عن ذلك في قصة موسى وفرعون. ويجول معهم جولة في مصارع الغابرين تكشف لهم كذلك عن أسباب الهلاك الحقيقية ممثلة في البطر وقلة الشكر والتكذيب بالرسل والإعراض عن الآيات. ثم جولة أخرى أبعد تكشف عن حقيقة القيم وتبدو فيها ضآلة الحياة الدنيا كلها ومتاعها إلى جوار ما عند الله.
وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون. وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ، وكنا نحن الوارثين. وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون.
وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ، وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون؟ أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين؟..
إنها النظرة السطحية القريبة ، ويغري بهم الأعداء ، ويفقدهم العون والنصير ، ويعود عليهم بالفقر والبوار:
{وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} ..