أولا: إن تعبير وَالَّذِينَ هادُوا هو عربي صرف في صيغته وجذره. ويعني اليهود على ما هو متفق عليه، وقد تكرر وروده في السور المدنية، وهو من جذر هاد بمعنى مال وتاب. ومن ذلك جملة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ في الآية [156] من سورة الأعراف حكاية عن لسان موسى عليه السلام. وما دام أن التعبير يعني اليهود فصار من المناسب الاستطراد إلى هذا الاسم. ولقد تكرر ورود هذا الاسم كثيرا في السور المدنية. وجاء في بعضها مختزلا بصيغة (هود) وجاء في بعضها منسوبا (يهوديا) وورد في بعض الأحاديث بدون حرف تعريف وغير مصروف كأنه اسم أعجمي حيث روى الترمذي بسند صحيح عن زيد بن ثابت قال: «أمرني رسول الله أن أتعلّم له كتاب يهود قال والله إني ما آمن يهود على كتاب. قال فما مرّ بي شهر حتى تعلمته له. فلمّا تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم» . ومن المفسرين من يرجع تسمية (اليهود) و (يهود) و (هود)
إلى ذلك الجذر العربي. غير أن الأكثر على أنها تعريب يهوذا اسم أكبر أبناء يعقوب. وأبو السبط الذي منه داود وسليمان وعيسى عليهم السلام. ولقد سميت المملكة التي قامت في بيت المقدس بعد سليمان باسم مملكة يهوذا لأن سبط يهوذا كان يقيم في منطقة بيت المقدس وكان أكبر وأشهر أسباط بني إسرائيل.
ونحن نرجّح ما عليه الأكثر وعدم صرفه في الحديث قد يكون داعما لهذا الترجيح.
ونرجّح أن تسمية (اليهود) و (يهود) و (هود) للذين كانوا يدينون بالدين الموسوي سابقة للبعثة. وأصبحت بذلك جزءا من اللغة العربية. لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين. وقد غدت كذلك بعد البعثة وصار منها اشتقاق فصار يقال تهوّد لمن صار يهوديا، ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» .
وثانيا: إن كلمة (النصارى) وردت في السور المدنية كثيرا وبصيغ متعددة مثل (نصارى) و (نصرانيا) ، فأكثر الأقوال على أن كلمة نصارى هي جمع نصران مثل نشاوى جمع نشوان وسكارى جمع سكران. وروى الطبري بيتين من الشعر الجاهلي ورد فيهما المفرد مذكرا ومؤنثا: