لذلك نقول لمن فقد عزيزاً عليه ، كالمرأة التي فقدت وحيدها مثلاً: إنْ كان الفقيد حبيباً وغالياً فبيعوه غالياً وادخلوا به الجنة ، ذلك حين تصبرون على فَقْده وتحتسبونه عند الله ، وإنْ كنتم خسرتم به الدنيا فلا تخسروا به الآخرة ، فإنْ لطَمْنا الخدود وشَقَقْنَا الجيوب ، واعترضنا على قَدَر الله فيه فقد خسرنَا به الدنيا والآخرة .
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإنْ أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ، وليس ذلك إلا للمؤمن".
والصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء مرتبة من مراتب الإيمان ، ومرحلة من مراحل اليقين في نفس المؤمن ، وهي بداية وعَتَبة يتلوها مراحل أخرى ومراقٍ ، حَسْب قوة الإيمان .
اسمع إلى هذا الحوار الذي دار بين أهل المعرفة من الزُّهَّاد ، وكيف كانوا يتباروْنَ في الوصول إلى هذه المراقي الإيمانية ، ويتنافسون فيها ، لا عن مُبَاهاة ومفاخرة ، إنما عن نية خالصة في الرُّقي الإيماني .
يسأل أحد هؤلاء المتمكِّنين صاحبه: كيف حال الزهاد في بلادكم؟ فقال: إن أصابنا خير شكرنا ، وإن أصابنا شَرٌّ صبرنا ، فضحك الشيخ وقال: وما في ذلك؟! إنه حال الكلاب في بَلْخ . أما عندنا: فإنْ أصابنا خير آثرنا ، وإنْ أصابنا شَرٌّ شكرنا .
وهذه ليست مباهاة إنما تنافس ، فكلاً الرجلين زاهد سالك لطريق الله ، يرى نفسه محسوباً على هذا الطَريق ، فيحاول أنْ يرتقيَ فيه إلى أعلى مراتبه ، فإياك أنْ تظن أن الغاية عند الصبر على البلاء والشُّكْر على العطاء ، فهذه البداية وبعدها منازل أعْلَى ومَراقٍ أسمى لمن طلبَ العُلاَ ، وشمَّر عن ساعد الجد في عبادة ربه .