قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} الآية.
وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها.
وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر.
هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد.
وقال ابن قتيبة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} واحد أي: على وجه واحد ومذهب واحد.
واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين.
أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له.
فعلى هذا معنى قوله {عَلَى حَرْفٍ} على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري.
وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه.
ويكون معنى {عَلَى حَرْفٍ} في هذا القول: على شك.