الرابعة: قال ابن عطية: وحدّثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظة سنة تسع وستين وأربعمائة: إن مَن أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم ؛ كلبٌ أحبّ أهل فضلٍ وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله.
قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصّرين عن درجات الكمال ، المحبين للنبيّ صلى الله عليه وسلم وآله خير آل.
روى الصحيح"عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدّة المسجد فقال: يا رسول الله ، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أعددتَ لها"قال: فكأنّ الرجل استكان ، ثم قال: يا رسول الله ، ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكني أحبّ الله ورسوله."
قال:"فأنت مع من أحببت"في رواية قال أنس بن مالك: " فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشدّ من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"فأنت مع من أحببت"قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم."
قلت: وهذا الذي تمسّك به أنس يشمل من المسلمين كلّ ذي نفس ، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين ، كلبٌ أحب قوماً فذكره الله معهم! فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام ، وحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} .
وقالت فرقة: لم يكن كلباً حقيقة ، وإنما كان أحدهم ، وكان قد قعد عند باب الغار طليعةً لهم ؛ ...