قال صاحب الكشاف: قوله كَبُرَتْ كَلِمَةً قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وقوله تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره فكيف بهذا المنكر؟
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في «كبرت» ؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت
كلمة كما يسمون القصيدة بها.
وشبيه بهذه الآية في استعظام ما نطقوا به من قبح قوله - تعالى -: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.
ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً.
قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة لعل تكون للترجى في المحبوب، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان أن لعل هنا للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.
وقال بعضهم إن لعل هنا للنهى. أي لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهي صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ .. .
وقوله باخِعٌ من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى في الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أي: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: عَلى آثارِهِمْ أي: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله أَسَفاً أي: هما وغما مع المبالغة في ذلك، وهو مفعول لأجله.