وروى شِبْل عن مجاهد: بَعُدَ مِنّا، وقال عطاء: تَعَظَّم وتَكَبَّر.
وقال أهل المعاني: بَعَّد نفسه عن القيام بحقوق نعم الله - عز وجل - ، ومعني. النَّأْي في اللغة: البُعْد، ونَأَى الشيءَ إذا بَعّده، وذكرنا الكلام في النَّأْي عند قوله: {وَيَنْئَوْنَ عَنهُ} [الأنعام:26] , ومعنى {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} كمعنى أعرض، وفيه زيادة معنى البعد، وفي قوله: {وَنَأَى} وجوه من القراءة؛ أحدها: وهو قراءة العامة (نَئَا) بفتحتين، وقرأ ابن عامر (نآء) مثل بَاعَ، وهذا على القلب، وتقديره: فلعَ، ومثل هذا في القلب: رأى وراءَ، قال كثير:
وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ ... مِن أجلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أو غَدِ
قال أبو عبيدة: والعرب تقول ذلك، تُقَدّم الهمزة وتؤخرها وأنشد:
ولقد أراكَ تُشَآء بالأَظْعَانِ
أراد تُشَاء فأَخَّر الهمزة، ومما قدَّموا قولهم في جمع البِئْر: آبار، وأصلها: أبآر، فقدَّموا الهمزة مثل: جِذْع وأجْذَاع، وقِطع وأقطاع.
وقرأ حمزة والكسائي: (نِئى) بإمالة الفتحتين، ووجه ذلك: أنه أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة من الياء التي في (النَّأي) ، فأراد أن ينحو نحوها، فأمال فتحة النون لإمالة فتحة الهمزة، ولم يمل خلاَّد عن سُلَيْم فتحة النون لأجل إمالة فتحة الهمزة، وقرأ (نَئِيَ) بفتح النون وكسر الهمزة.
وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} قال ابن عباس: يريد إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله.
وقال أهل المعاني: هذا من صفة الجاهل بالله، وهو ذمّ له بأنه لا يثق بفضل الله على عباده، فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، وحَسِبَ أن الشَّرّ ضَرْبَة لازب، ويؤوس: فعول من اليأس، ومضى الكلام في اليأس عند قوله: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} [يوسف: 80]