وقال الحسن وقتادة: ملكًا قويًا تنصرني به على من ناوأني، وعزًا ظاهرًا أقيم به دينك، وهذا معنى قول الحسن: اجعلني أقيم الحدود , وعلى هذا القول: سأل الله تعالى سلطان القدرة، وعلى القول الأول: سأل الحجة. وقد جمع بينهما أبو إسحاق فقال: أي اجعل نصرتي من عندك تسليطي بالقدرة والحجة.
وقد أجاب الله دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس فقال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ، وقال: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] ، وقال: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الصف: 9] ، وذهب الكلبي أيضًا إلى سلطان القدرة، فَفسَّر السلطان النصير هاهنا بِعَتَّاب بن أَسيد حين استعمله نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة، فاشتد عليهم وقال: لا يبلغني من محتلم ترك الصلاة إلا ضربت عنقه.
{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .
81 -قوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} قال المفسرون في شى {وَزَهَقَ} : بطل واضمحل، وأصله من قولهم: زَهَقَتْ نَفْسُه تَزْهَقُ زُهُوقًا، وأزهقتها أنا، أي: أهلكتها، فكأن معنى: {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} : خرج إلى الهلاك، قال الليث: وكل شيء هلك وبطل فقد زهق.
واختلفوا في معنى الحق والباطل هاهنا؛ فقال السدي: الحق: الإسلام، والباطل: الشرك.
وقال قتادة: الحق: القرآن، والباطل: الشيطان.
وقال ابن جريج: الحق: الجهاد والقتال، والباطل: الشرك وما هم فيه.
قال ابن عباس: أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل مكة أن يقف على الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} .
وروي عن ابن مسعود أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ، فجعل الصنم ينكب لوجهه.