وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولًا ولا أوحى إليه وحيًا؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثًا ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا(87) وقوله: (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) .
أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضًا - في إبقاء ذلك كبيرًا.
وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دل أن له قدرة في فعل العبد.
وفي قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من اللَّه؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلًا ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجري على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، واللَّه أعلم. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 7/ 94 - 108} ...