فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَدْفَعُ شُعَاعَهَا لِيَنْظُرَ إِلَى مَغِيبِهَا بِرَاحَةٍ. وَمَنْ رَوَى ذَلِكَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلشَّمْسِ وَكَسَرَ الْحَاءَ لِإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ عَلَى تَقْدِيرِ قَطَامِ وَحَذَامِ وَرَقَاشِ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الدُّلُوكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَيْلُ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا زَالَتْ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، فَقَدْ مَالَتْ لِلْغُرُوبٍ، وَذَلِكَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَبِذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِ بَعْضِهِ بَعْضُ النَّظَرِ.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَانِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ»
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِقَامَتِهَا عِنْدَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا عِنْدَهُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِقَامَتِهَا عِنْدَ غَسَقِ اللَّيْلِ هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ دُونَ غَيْرِهَا، لِأَنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ إِقْبَالِ اللَّيْلِ وَظَلَامِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ. فَأَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَإِنَّهَا مِمَّا تُقَامُ بَيْنَ ابْتِدَاءِ دُلُوِكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ، لَا عِنْدَ غَسَقِ اللَّيْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ وَأَقِمْ قُرْآنَ الْفَجْرِ: أَيْ مَا تَقْرَأُ بِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: نُصِبَ قَوْلُهُ {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} عَلَى الْإِغْرَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَعَلَيْكَ قُرْآنَ الْفَجْرِ {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}