{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [فصل: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة]
وهي هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة، وإذا كانت محدثة مخلوقة وهي من أمر اللّه فكيف يكون أمر اللّه محدثا مخلوقا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟
وما حقيقة هذه الإضافة؟
فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟
فهذه مسألة زل فيها عالم، وضلت فيها طوائف من بني آدم. وهدى اللّه أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة. هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم، كما يعلم بالاضطرار من دينهم أن العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن اللّه وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الفضيلة على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنّة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر اللّه، وأمره غير مخلوق، وبأن اللّه تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.
وسئل عن ذلك حافظ أصبهان: أبو عبد اللّه بن منده فقال: أما بعد فإن سائلا سألني عن الروح التي جعلها اللّه سبحانه قوام نفس الخلق وأبدانهم وذكر أقواما تكلموا في الروح وزعموا أنها غير مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس وأنها من ذات اللّه، قال وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وأن كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه.
فنقول وباللّه التوفيق:
إن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس.
1 -فقال بعضهم: الأرواح كلها مخلوقة، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر.
واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» .
والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
2 -وقال بعضهم: الأرواح من أمر اللّه، أخفى اللّه حقيقتها وعلمها عن الخلق واحتجوا بقول اللّه تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} .