والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الأشياء لا يعطينا بحقائق ذاتها وتكوينها ؛ لأن أذهاننا قد لا تتسع لفهمها ، وإنما يعطينا بالفائدة منها. فحين حدثنا عن الأهِلّة قال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ..} [البقرة: 189]
وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من الأَهِلّة ، أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر بها الأَهِلّة فأمور لا يضر الجهل بها ؛ ذلك لأن الاستفادة بالشيء ليستْ فرعاً لفهم حقيقته ، فالرجل الأُميّ في ريفنا يقتني الآن التلفاز وربما الفيديو ، ويستطيع استعمالهما وتحويل قنواتهما وضبطهما ، ومع ذلك فهو لا يعرف كيف تعمل هذه الأجهزة؟ وكيف تستقبل؟
إذن: الاستفادة بالشيء لا تحتاج معرفة كل شيء عنها ، فيكفيك - إذن - أنْ تستفيد بها دون أن تُدخِل نفسك في متاهات البحث عن حقيقتها.
والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..} [الإسراء: 36] لأن الخالق سبحانه يريد للإنسان أن يُوفّر طاقاته الفكرية ليستخدمها فيما يُجدي ، وأَلاَّ يُتعِب نفسه ويُجهدها في علم لا ينفع ، وجهل لا يضر.
فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه ، أنْ ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه. وأيّ فائدة تعود عليك إنْ توصلت إلى سِرٍّ من أسرار الروح؟ وأيّ ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنها شيئاً؟
إذن: مناط الأشياء أن تفهم لماذا وجدت لك ، وما فائدتها التي تعود عليك.
والحق سبحانه حينما قال: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً { [الإسراء: 85] كان يخاطب بها المعاصرين لرسول الله منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام ، وما زال يخاطبنا ويخاطب مَنْ بعدنا ، وإلى أن تقوم الساعة بهذه الآية مع ما توصلتْ إليه البشرية من علم وكأنه سبحانه يقول: يا ابن آدم ، الزم غرزك ، فإن وقفت على سِرٍّ فقد غابتْ عنك أسرار.