قالوا: الروح التي بها حركة الحياة إذا وُجِدَتْ في الإنسان تعطي مادية الحياة ، ومادية الحياة شيء ، وقيَمُ الحياة شيء آخر ، فإذا ما جاءك شيء يعدل لك قيم الحياة فهل تُسمِّيه روحاً؟ لا ، بل هو روح الروح ؛ لأن الروح الأُولى قصاراها الدنيا ، لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة في الآخرة ، فأيُّهما حياته أطول؟
لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا: إياك أنْ تظنَّ أن الحياة هي حياتك أنت وكونك تُحِسُّ وتتحرك وتعيش طالما فيك روح ، لا بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أَبْقى وأَدْوم: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]
لأن الروح التي تعيش بها في الدنيا عُرْضة لأنْ تُؤخَذ منك ، وتُسلَب في أيّ مرحلة من مراحل حياتك منذ وجودك جنيناً في بطن أمك ، إلى أنْ تصير شيخاً طاعناً في السنِّ.. أما روح الآخرة ، وهي روح القيم وروح المنهج ، فهي الروح الأَقْوى والأَبْقى ؛ لأنها لا يعتريها الموت.
إذن: سُمّي القرآن ، وسُمّي المَلك النازل به روحاً ؛ لأنه سيعطي حياة أطول هي حياة القيم في الآخرة.
وهنا يقول تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.. { [الإسراء: 85]
أي: أن هذا من خصوصياته هو سبحانه ، وطالما هي من خصوصياته هو سبحانه ، فلن يطلع أحداً على سِرِّها. وهل هي جوهر يدخل الجسم فيحيا ويسلب منه فيموت ، أم هي مراد (بكُنْ) من الخالق سبحانه ، فإنْ قال لها كُنْ تحيا ، وإنْ قال مِتْ تموت؟
إنّ علم الإنسان سيظل قاصراً عن إدراك هذه الحقيقة ، وسيظل بينهما مسافات طويلة ؛ لذلك قال تعالى بعدها: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً { [الإسراء: 85]
وهل عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟!
ولما تعرَّض أحد رجال الصوفية للنقد ، واعترض عليه أحد الأشخاص فقال له الصوفي: وهل أَحَطْتَ عِلْماً بكل شيء في الكون؟ قال الرجل: لا ، قال: فأنا من الذي لا تعلم.