فالآية واحدة ، لكن الطبع المستقل مختلف ، فالمؤمن يستقبلها بمَلكاتٍ سليمة ، فيزداد بها إيماناً ، والكافر يستقبلها بملكَات فاسدة فيزدادَ بها كفراً ، إذن: المشكلة في تلقّي الحقائق واستقبالها أن تكون ملكاتُ التلقي فاسدة.
ومن هنا نقول: إذا نظرتَ إلى الحق ، فإياك أنْ تنظره وفي جوفك باطل تحرص عليه ، لا بُدَّ أن تُخرِج ما عندك من الباطل أولاً ، ثم قارن وفاضل بين الأمور.
وكذلك جاءت هذه المسألة في قول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 16 - 17]
وقولهم: {مَاذَا قَالَ آنِفاً..} [محمد: 16] دليل على عدم اهتمامهم بالقرآن ، وأنه شيء لا يُؤْبَهُ له.
وكذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى..} [فصلت: 44]
ومثالٌ لسلامة التلقّي من حياتنا المعاصرة إرسال التلفاز مثلاً ، فقد تستقبله أنت في بيتك فتجده واضحاً في حَلْقة من الحلقات أو برنامج من البرامج ، فتتمتع بما شاهدت ، ثم تقابل صديقاً فيشكو لك سوء الإرسال وعدم وضوح الصورة فيؤكد لك سلامة الإرسال ، إلا أن العيب في جهاز الاستقبال عندك ، فعليك أولاً أن تضبط جهاز الاستقبال عندك لتستقبل آيات الله الاستقبال الصحيح.
إذن: قول الحق تبارك وتعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.. { [الإسراء: 82] متوقف على سلامة الطبع ، وسلامة الاستقبال ، والفهم عن الله تعالى.