ويحتمل أن يكون الأمر أمرَ التكوين ، فإما أن يراد نفس المصدر وتكون (من) ابتدائية كما في قوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ، أي الروح يصدر عن أمر الله بتكوينه ؛ أو يراد بالمصدر معنى المفعول مثل الخلق و (من) تبعيضية ، أي الروح بعض مأمورات الله فيكون المرادُ بالروح جبريلَ عليه السلام ، أي الروح من المخلوقات الذين يأمرهم الله بتبليغ الوحي ، وعلى كلا الوجهين لم تكن الآية جواباً عن سؤالهم.
وروى ابن العربي في الأحكام عن ابن وهب عن مالك أنه قال: لم يأته في ذلك جواب ا ه.
أي أن قوله: قل الروح من أمر ربي ليس جواباً ببيان ما سألوا عنه ولكنه صرف عن استعلامه وإعلام لهم بأن هذا من العلم الذي لم يؤتوه.
والاحتمالات كلها مرادة ، وهي كلمة جامعة.
وفيها رمز إلى تعريف الروح تعريفاً بالجنس وهو رسم.
وجملة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} يجوز أن تكون مما أمَر الله رسولَه أن يقوله للسائلين فيكون الخطاب لقريش أو لليهود الذين لقنوهم ، ويجوز أن يكون تذييلاً أو اعتراضاً فيكون الخطاب لكل من يصلح للخطاب ، والمخاطبون متفاوتون في القليل المستثنى من المؤْتَى من العلم.
وأن يكون خطاباً للمسلمين.
والمراد بالعلم هنا المعلوم ، أي ما شأنه أن يعلم أو من معلومات الله.
ووصفه بالقليل بالنسبة إلى ما من شأنه أن يعلم من الموجودات والحقائق.
وفي"جامع الترمذي"قالوا (أي اليهود) :"أوتينا علماً كثيراً التوراةَ ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً ، فأنزلت: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} الآية [الكهف: 109] ."