فالجمهور قالوا: المسؤول عنه هو الروح بالمعنى الأول ، قالوا لأنه الأمر المشكل الذي لم تتضح حقيقته ، وأما الروح بالمعنيين الآخرين فيشبه أن يكون السؤال عنه سؤالاً عن معنى مصطلح قرآني.
وقد ثبت أن اليهود سألوا عن الروح بالمعنى الأول لأنه هو الوارد في أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة لقوله في الإصحاح الأول وروح الله يرف على وجه المياه.
وليس الروح بالمعنيين الآخرين بوارد في كتبهم.
وعن قتادة والحسن: أنهم سألوا عن جبريل ، والأصح القول الأول.
وفي الروض الأنف أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم مرة ، فقال لهم: هوجبريل عليه السلام.
وقد أوضحناه في سورة الكهف.
وإنما سألوا عن حقيقة الروح وبيان ماهيتها ، فإنها قد شغلت الفلاسفة وحكماء المتشرعين ، لظهور أن في الجسد الحي شيئاً زائداً على الجسم ، به يكون الإنسان مدركاً وبزواله يصير الجسم مسلوبَ الإرادة والإدراك ، فعلم بالضرورة أن في الجسم شيئاً زائداً على الأعضاء الظاهرة والباطنة غير مشاهد إذ قد ظهر بالتشريح أن جسم الميت لم يفقد شيئاً من الأعضاء الباطنة التي كانت له في حال الحياة.
وإذ قد كانت عقول الناس قاصرة عن فهم حقيقة الروح وكيفية اتصالها بالبدن وكيفية انتزاعها منه وفي مصيرها بعد ذلك الانتزاع ، أجيبوا بأن الروح من أمر الله ، أي أنه كائن عظيم من الكائنات المشرفة عند الله ولكنه مما استأثر الله بعلمه.
فلفظ {أمر} يحتمل أن يكون مرادف الشيء.
فالمعنى: الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله ، فإضافة {أمر} إلى اسم الجلالة على معنى لام الاختصاص ، أي أمر اختص بالله اختصاص علمٍ.
و (من) للتبعيض ، فيكون هذا الإطلاق كقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52] .