وفيه:"حتى أتينا رسول الله فأخبرته فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة ، قلت: يا رسول الله شيءٌ ألقي في روعي (أي إلهام ألهمه الله) ، قال: كلوا وأطعمونا من الغنم"فهذا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بصحة إلهام أبي سعيد رضي الله عنه.
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) }
لما كان القرآن نعمة عظيمة للناس ، وكان إعراض المشركين عنه حرماناً عظيماً لهم من خيرات كثيرة ، ولم يكن من شأن أهل العقول السليمة أن يرضوا بالحرمان من الخير ، كان الإخبار عن زيادته الظالمين خساراً مستغرباً من شأنه أن يثير في نفوس السامعين التساؤل عن سبب ذلك ، أعقب ذلك ببيان السبب النفساني الذي يوقع العقلاء في مهواة هذا الحرمان ، وذلك بعد الاشتغال بما هو فيه من نعمة هَويها وأولع بها ، وهي نعمة تتقاصر عن أوج تلك النعم التي حرم منها لولا الهوى الذي علق بها والغرور الذي أراه إياها قصَارى المطلوب ، وما هي إلا إلى زوال قريب ، كما أشار إليه قوله تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا} [المزمّل: 11] وقوله: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل} [آل عمران: 196 - 197] .
فهذه الجملة مضمونها مقصود بذاته استفيد بيانها بوقوعها عقب التي قبلها.
والتعريف في الإنسان تعريف الجنس ، وهو يفيد الاستغراق وهو استغراق عرفي ، أي أكثر أفراد الإنسان لأن أكثر الناس يومئذٍ كفار وأكثر العرب مشركون.
فالمعنى: إذا أنعمنا على المشركين أعرضوا وإذا مسهم الشر يئسوا.
وهذا مقابل حال أهل الإيمان الذين كان القرآن شفاءً لأنفسهم وشكر النعمة من شِيمهم والصبر على الضر من خلقهم.
والمراد بالإنعام: إعطاء النعمة.
وليس المراد النعم الكاملة من الإيمان والتوفيق ، كما في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] .