ثم الأقاويل فيها من الحكماء والعلماء الأقدمين مختلفة . ولا يتم الجواب في محل الخلاف . فأتى بالجواب مجملاً على وجه يصدق على كل من ذلك مرموزاً ، ليعلمه العلماء بالله . واقتضت المصلحة العامة منع الكلام فيه لغيرهم ؛ لأن الأفهام لا تحتمله . خصوصاً على طريقة الحكماء ؛ إذ من غلب على طبعه الجمود لا يقبله ولا يصدق به في صفة الباري . فكيف يصدق به في حق الروح الإنساني . بل قال بعض المدققين: إن في الآية والجواب ببيان حقيقتها ، وأنها من إبداعاته الكائنة بتكوينه ، من غير سبق مادة - وهو ما ذكرناه أولاً - وفي الجواب بذلك ما فيه الكفاية لذوي البصائر والدراية . ومقنع لمن كان له في النزاع إذا فُصل مطمع . وقد استحسن بعضهم هذا الجواب وقال مذيلاً له: فيكون قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} على أن السؤال عن حقيقتها مطابقاً ، إلا أنه إجمالي . أي: من الممكنات التي يمكن الوقوف على حقائقها ، وإن كان بإعمال روية وإيقاظ فكر كباقي عالم الأمر . وعلى أن السؤال عن قدمها وحدوثها كذلك ، إلا أنه تفصيلي . وأيَّاً ما كان ، فلم يترك بيانها ، ولو كانت مما لا سبيل إلى معرفته لقيل: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} كما قيل في الساعة ، أو نحو ذلك . بل لو لم يكن السبيل لمعرفته ، ولو بوجه ما ، متيسراً لكثير من الناس ؛ لم يكن لأمره بالتفكر فيها ، والتبصر في أمرها ، للاستدلال بها عليه ، والتوصل بواسطة معرفتها إليه ، الذي هو الغاية القصوى والثمرة العظمى ؛ من فائدة . بل كان عبثاً . فدل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِم} [الروم: 8] ، وقوله: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] ، ونحو ذلك ، أنها أمر تدركه العقول ، وبه يكون إليه تعالى الوصول .