86 -ولما ذكر سبحانه أنه ما أتاهم من العلم إلّا قليلا .. بيَّن أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل .. لفعل، فقال: {وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ} و {اللام} الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية {لام} الجواب، وهذا الجواب ساد مسد جوابي القسم، والشرط، والمعنى: وعزتي وجلالي لو شئنا لنمحون بالقرآن الذي أوحينا إليك يا محمد من الصدور والمصاحف، ولا نترك له أثرًا، وبقيت كما كنت أولًا لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان {ثُمَّ} بعد ذهابه ومحوه {لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا} لا تجد لنفسك برده علينا {عَلَيْنا وَكِيلًا} أي كفيلًا يرده عليك، وناصرًا لك علينا ينصرك فيحول بيننا وبين ما نريد بك، ولا قيمًا لك يمنعنا من فعل ذلك بك، وعبارة البيضاوي هنا، أي: لا تجد من يتوكل علينا باسترداده مسطورًا محفوظًا اهـ؛ أي: من يتعهد، ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه اهـ «شهاب» .
وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض، والمحال يصح فرضه لغرض، فكيف ما ليس بمحال؟
87 - {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: إلا أن يرحمك ربك، فيرد عليك، كأن رحمته تتوكل وتتكفل بالرد عليك، فالاستثناء متصل، وفي «السمين» في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن الرحمة تندرج في قوله: {وَكِيلًا} ؛ أي: إلّا رحمة فإنها إن نالتك فلعلّها تسترده عليك، والثاني أنه منقطع فيقدر بـ {لكن} عند البصريين، وبـ {بل} عند الكوفيين، والمعنى: أي: لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة رحمة من ربك، فعند ذلك يرفع من الصدور والمصاحف. {إِنَّ فَضْلَهُ} ولطفه سبحانه وتعالى {كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} ؛ أي: عظيمًا إذ أرسلك للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليك الكتاب وأبقاه في حفظك، ومصاحفك، وفي حفظ أتباعك، ومصاحفهم، وصيرك ولد آدم وختم بك النبيين والمرسلين وأعطاك المقام المحمود، وغير ذلك. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 16/ 206 - 213} ...