وقد أطالوا البحث في هذا المقام بما لا يقتضيه الحال، وغالبه بل كله من فضول الكلام الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا، وقد حكى بعض المحقّقين أنّ أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ، والتعب العاطل عن النفع بعد أن عملوا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولا أذن لهم بالسؤال عنه، ولا في البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب!! حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه، ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن الله سبحانه بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه.
ثم أكد عدم علم أحد بها بقوله: {وَما أُوتِيتُمْ} ؛ أيها الناس: مؤمنكم ولا كافركم؛ أي: وما أعطيتم {مِنَ الْعِلْمِ} بالنسبة إلى علم الله تعالى، {إِلَّا قَلِيلًا} ؛ أي: إلا علمًا قليلًا تستفيدونه من طرق الحواس الخمس الظاهرة، السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس؛ أي: إن علمكم الذي علمكم الله سبحانه ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظًا من العلم وافرا، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر عليهما السلام.
وخلاصة ذلك: أنه ما أطلعكم من علمه إلّا على القليل، والذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر بعلمه تبارك وتعالى، ولم يطلعكم عليه.
وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش: {وما أوتوا} بضمير الغيبة عائدًا على السائلين.
تنبيه: اختلف في المراد بالروح في هذه الآية على ثلاثةِ أقوالٍ: