وهذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة، ولا ينافيه قوله تعالى: {وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ} ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه الآية، ولا يبعد أن يقال: لا منافاة بين الآيتين، فقد يكون مع شدة يأسه، وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه.
84 - {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين {كُلٌّ} ؛ أي: كل إنسان منا ومنكم {يَعْمَلُ} عمله {عَلَى شاكِلَتِهِ} ؛ أي: على طريقته التي تشاكل وتوافق حاله التي جبل، وطبع عليها من الهدى والضلال، قال في «القاموس» الشّاكِلَة الشكل، والشكل المثل والنّظير والناحية، والنية، والطريقة، والمذهب انتهى.
وقيل: الطبيعة، وقيل: الدين، والمعنى: أنّ كلّ إنسان يعمل عمله على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وطبع عليها، وهذا ذم للكافر، ومدح للمؤمن {فَرَبُّكُمْ} الذي برأكم على هذه الطبائع المختلفة، وابتلاكم بهذه الأديان المختلفة {أَعْلَمُ} منا ومنكم {بِمَنْ هُوَ أَهْدى} وأسدّ، وأصوب، وأوضح {سَبِيلًا} ؛ أي: طريقًا، ودينًا فيؤتيه أجره موفورًا، وأعلم بمن هو أضل سبيلًا فيعاقبه بما يستحق؛ أي: يعلم المهتدي، والضال فيجازي كلاًّ بعمله؛ لأنه الخالق لكم، العالم بما جبلتم عليه من الطبائع، وما اختلفتم فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة، ولا ييأس عند المحنة، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم، والقنوط عند النقم.
وفي الآية: إشارة إلى أن الأعمال دلائل الأحوال، فمن وجد نفسه في خير وطاعة وشكر، فليحمد الله تعالى كثيرًا، ومن وجدها في شر وفسق، وكفران، ويأس فليرجع قبل أن يخرج الأمر من يده.
وبمعنى الآية قوله سبحانه: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) } ولا يخفى ما في هذه الآية من تهديد شديد، ووعيد للمشركين.