إذ ثبت هذا فنقول: إن كان محمل العلم والإرادة ومحل تلك الحروف والأصوات جسماً واحداً لزم أن يقال إن محل العلوم والإرادات هو الحنجرة واللهاة واللسان ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وإن قلنا محل العلوم والإرادات هو القلب لزم أيضاً أن يكون محل الصوت هو القلب وذلك أيضاً باطل بالضرورة ، وإن قلنا محل الكلام هو الحنجرة واللهاة واللسان ، ومحل العلوم والإرادات هو القلب ، ومحل القدرة هو الأعصاب والأوتار والعضلات ، كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة لكنا أبطلنا ذلك.
وبينا أن المدرك لجميع المدركات والمحرك لجميع الأعضاء بكل أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئاً واحداً ، فلم يبق إلا أن يقال في الإدراك والقدرة على التحريك (أنه) شيء سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا البدن وأن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات والأدوات فكما أن الإنسان يعقل أفعالاً مختلفة بواسطة آلات محتلفة فكذلك النفس تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب ، فهذه الأعضاء آلات النفس وأدوات لها ، والنفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير وهذا البرهان برهان شريف يقيني في ثبوت هذا المطلوب ، والله أعلم.