أما البرهان فلأنا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب ، وأما القرآن فآيات نحو قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] وقوله: {كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان} [المجادلة: 22] وقوله: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ} [الشعراء: 193 ، 194] وإذا ثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالماً ، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب هو هذا الجسد وهذا الهيكل.
وأما البحث الثاني: وهو بيان أن الإنسان غير محسوس وهو أن حقيقة الإنسان شيء مغاير للسطح واللون وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون وهما مقدمتان قطعيتان وينتج هذا القياس أن حقيقة الإنسان غير مرئية ولا محسوسة وهذا برهان يقيني.
المسألة الرابعة:
في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن تكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون متولداً من امتزاجها ، ويمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص بل لا بد وأن يكون الحاصل جسماً متولداً من امتزاجات هذه الأربعة فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء وذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء ، وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة ولم يقل أحد في شيء منها إنه الإنسان إلا في الدم فإن منهم من قال إنه هو الروح بدليل أنه إذا خرج لزم الموت ، أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح وهي نوعان.