ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان ، وما هو عليه من الضلال والنسيان ، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين ، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع ، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم ، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفاً على {وقالوا إذا كنا عظاماً} : {ويسئلونك} أي تعنتاً وامتحاناً {عن الروح} الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديداً: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتاً ، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده ، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: {قل الروح} أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية {من أمر ربي} أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه ، تشريفاً لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره ، بل هو يبدعها من العدم ، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير ، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق ، والثاني ما كان إخراجاً من العدم بلا تسبيب ولا تطوير ، وهو المعبر عنه بالأمر ، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن ، وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان ، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة ، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة ، وأنها غير مطورة ولا مسببة ، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة ، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدباً ، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم ؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال