وقوله: وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ بيان لنوع آخر من أنواع التكريم. أي: ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس، التي يستلذونها، ولا يستغنون عنها في حياتهم.
وقوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أي: وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التي لا تحصى، تفضيلا عظيما.
وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذي منحه الله - تعالى - لبني آدم.
وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازي، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: لقد قال الله - تعالى - في أول الآية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وقال في آخرها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا. ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار.
والأقرب أن يقال: إنه - تعالى - فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل: العقل، والنطق، والصورة الحسنة .. ثم إنه - تعالى - عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل».
وكأن الفخر الرازي يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التي امتاز بها بنو آدم، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة، وأخلاق قويمة.
هذا، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهي قوله - تعالى -: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أن الملائكة أفضل من البشر، لأنهم - أي الملائكة - هم المقصودون بالقليل الذي لم يفضل عليه بنو آدم.
قال - رحمه الله -: قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا ... هو ما سوى الملائكة وحسب بني آدم تفضيلا، أن ترفع عليهم الملائكة - وهم هم - ، ومنزلتهم عند الله منزلتهم ... ».
ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا: تفضيل الجنس، ولا يلزم منه تفضيل كل فرد على كل فرد.