إلى الخلائق فارت وثارت وشهقت إلى الخلائق وزفرت نحوهم وتوثبت عليهم غضباً لغضب ربهم على ما يأتي بيانه في كتاب النار إن شاء الله تعالى، فتتساقط الخلائق حينئذ على ركبهم جثاة حولها قد أسبلوا الدموع من أعينهم ونادى الظالمون بالويل والثبور. ثم تزفر الثانية فيزداد الرعب والخوف في القلوب. ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون من طرف خفي خوفاً أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها. أجارنا الله منها.
فصل: واختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال:
الأول: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة كما تقدم. قاله حذبفة بن اليمان وابن عمر رضي الله عنهم.
الثاني: إنه أعطاؤه عليه السلام لواء الحمد يوم القيامة قلت: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع.
وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي فأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر. وفي رواية أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا أيسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا. لواء الكرم بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون.
الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة منها مجاهد. أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، وروت في ذلك حديثاً.
قلت: وهذا قول مرغوب عنه وإن صح الحديث، فيتأول على أنه يجلس مع أنبيائه وملائكته. قال ابن عبد البر في كتاب التمهيد: ومجاهد وإن كان أحد أئمة بتأويل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم. أحدهما هذا، والثاني في تأويل قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة قال: تنتظر
الثواب وليس من النظر.