{وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} الكلام في هذا كالكلام في {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} أي: وإن الشأن أنهم قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة لتخرج عنها ، ولكنه لم يقع ذلك منهم ، بل منعهم الله منه حتى هاجر بأمر ربه بعد أن هموا به ، وقيل: إنه أطلق الإخراج على إرادة الإخراج تجويزاً {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلفك إِلاَّ قَلِيلاً} معطوف على {ليستفزونك} أي: لا يبقون بعد إخراجك إلاّ زمناً قليلاً ، ثم عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعاً.
وقرأ عطاء بن أبي رباح: (لا يلبثوا) بتشديد الباء الموحدة.
وقرئ: (لا يلبثوا) بالنصب على إعمال"إذ"، على أن الجملة معطوف على جملة: {وَإِن كَادُواْ} لا على الخبر فقط.
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو بكر ، وأبو عمرو (خلفك) ومعناه: بعدك.
وقرأ ابن عامر ، وحفص ، وحمزة ، والكسائي {خلافك} ومعناه أيضاً: بعدك.
وقال ابن الأنباري: {خلافك} بمعنى: مخالفتك ، واختار أبو حاتم القراءة الثانية لقوله: {فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُولِ الله} [التوبة: 81] ومما يدلّ على أن خلاف بمعنى بعد قول الشاعر:
عفت الديار خلافها فكأنما... بسط الشواطب بينهنّ حصيرا
يقال: شطبت المرأة الجريد: إذا شققته لتعمل منه الحصير.
قال أبو عبيدة: ثم تلقيه الشاطبة إلى المثقبة.
{سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} {سنّة} منتصبة على المصدرية ، أي: سنّ الله سنّة.
وقال الفراء: أي يعذبون كسنّة من قد أرسلنا فلما سقط الخافض عمل الفعل.
وقيل: المعنى: سنّتنا سنّة من قد أرسلنا.
قال الزجاج: يقول إن سنّتنا هذه السنّة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو قتلوه أن ينزل العذاب بهم {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي: ما أجرى الله به العادة لم يتمكن أحد من تحويله ولا يقدر على تغييره.