ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا ؛ لأن المتهجد هو الذي يُلقي الهجود الذي هو النوم عن نفسه.
وهذا الفعل جارٍ مجرى تحوّب وتحرّج وتأثّم وتحنّث وتقذّر وتنجّس ؛ إذا ألقى ذلك عن نفسه.
ومثله قوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65] معناه تندّمون ؛ أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم ، وهي انبساط النفوس وسرورها.
يقال رجل فَكِه إذا كان كثير السرور والضحك.
والمعنى في الآية: ووقتا من الليل أسهرته في صلاة وقراءة.
الثانية: قوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} أي كرامة لك ؛ قاله مقاتل.
واختلف العلماء في تخصيص النبيّ صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته ؛ فقيل: كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله:"نافلة لك"أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة.
قلت: وفي هذا التأويل بعدٌ لوجهين:
أحدهما: تسمية الفرض بالنفل ، وذلك مجاز لا حقيقة.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم:"خمس صلوات فرضهن الله على العباد"، وقوله تعالى:"هن خمس وهن خمسون لا يبدّل القول لَدَيَّ"وهذا نص ، فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس ، هذا ما لا يصح ، وإن كان قد روي عنه عليه السلام:"ثلاث عليّ فريضة ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسّواك"وقيل: كانت صلاة الليل تطوعاً منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل ، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ، كما قالت عائشة ، على ما يأتي مبيّناً في سورة"المزمّل"إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه مغفور له.
فهو إذا تطوّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات.
وغيره من الأمة تطوّعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض ؛ قال معناه مجاهد وغيره.
وقيل: عطية ؛ لأن العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة.