والمعنى على الوجه الثاني: ولولا أن عصمناك من الخطأ في الاجتهاد وأريناك أن مصلحة الشدة في الدين والتنويه بأتباعه ، ولو كانوا من ضعفاء أهل الدنيا ، لا تعارضها مصلحة تأليف قلوب المشركين ، ولو كان المسلمون راضين بالغضاضة من أنفسهم استئلافاً للمشركين ، فإن إظهار الهوادة في أمر الدين تُطمع المشركين في الترقي إلى سؤال ما هو أبعد مدى مما سألوه ، فمصلحة ملازمة موقف الحزم معهم أرجح من مصلحة ملاينتهم وموافقتهم ، أي فلا فائدة من ذلك.
ولولا ذلك كله لقد كدت تركن إليهم قليلاً ، أي تميل إليهم ، أي توَعدتهم بالإجابة إلى بعض ما سألوك استناداً لدليل مصلحة مرجوحة واضحة وغفلة عن مصلحة راجحة خفية اغتراراً بخفة بعض ما سألوه في جانب عِظم ما وعدوا به من إيمانهم.
والركون: الميل بالرُكن ، أي بالجانب من الجسد واستعمل في الموافقة بعلاقة القرب.
وتقدم في قوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} في سورة [هود: 113] ، كما استعمل ضده في المخالفة في قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} في هذه السورة [الإسراء: 83] .
وانتصب شيئاً على المفعول المطلق ل {تركن} ، أي شيئاً من الركون.
ووجه العدول عن مصدر {تركن} طلب الخفة لأن مصدر {تركن} وهو الركون فيه ثقل فتركه أفصح ، وإنما لم يقتصر على {قليلاً} لأن تنكير {شيئاً} مفيد التقليل ، فكان في ذكره تهيئة لتوكيد معنى التقليل ، فإن كلمة (شيء) لتوغلها في إبهام جنس ما تضاف إليه أو جنس الموجود مطلقاً مفيدةٌ للتقليل غالباً كقوله تعالى:
{فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء: 20] .
و (إذن) الثانية جَزَاءً ل كدت تركن ، ولكونها جزاء فصلت عن العطف إذ لا مقتضى له.
فركون النبي صلى الله عليه وسلم إليهم غير واقع ولا مقارب الوقوع لأن الآية قد نفته بأربعة أمور ، وهي: (لولا) الامتناعية.