يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود {قرية} هي قرية شخص الإنسان {كانت آمنة} أي آهلة وهو الروح الإنساني {مطمئنة} بذكر الله {يأتيها رزقها} من المواهب {من كل مكان} روحاني وجسماني {فكفرت} النفس الأمارة {فأذاقها الله لباس الجوع} وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات {والخوف} وهو خوف الانقطاع عن الله {ولقد جاءهم رسول} الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه {وكلوا مما رزقكم الله} من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة {هذا حلال وهذا حرام} على عادة أهل الإباحة {وعلى الذين هادوا} أي تابوا {حرمنا} من موانع الوصول {ما قصصنا عليك} في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين. {وما ظلمناهم} بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا {ولم يك من المشركين} ممن له شركة مع الله في الوجود {اتبع ملة إبراهيم} في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً {إني ذاهب إلى ربي} [الصافات: 99] وأسري بمحمد راكباً {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة"الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام". {وإن عاقبتهم} النفس الأمارة {فعاقبوا} أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها {بمثل ما عوقبتم به} من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب. {ولئن صبرتم} على معاقبتهم {لهو خير} لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك. {واصبر} على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. {وما صبرك إلا بالله} لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له. {ولا تحزن} على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.
{ولا تك في ضيق مما يمكرون} فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 318 - 320}