وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الرَّافِعَ لَ «مَنْ» الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، قَوْلُهُ: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حُرُوفِ الْجَزَاءِ إِذَا اسْتَأْنَفَتْ أَحَدَهُمَا عَلَى آخَرَ.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَوْمٌ كَانُوا أَسْلَمُوا فَفَتَنَهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَثَبَتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْضُهُمْ وَافْتُتِنَ بَعْضٌ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَخَذَهُ بَنُو الْمُغِيرَةِ فَغَطُّوهُ فِي بِئْرِ مَيْمُونٍ وَقَالُوا: اكْفُرْ بِمُحَمَّدٍ فَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَلْبُهُ كَارِهٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أَيْ مَنْ أَتَى الْكُفْرَ عَلَى اخْتِيَارٍ وَاسْتِحْبَابٍ، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} "
[وفي رواية] : أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى بَارَاهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالْإِيمَانِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ»
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «لَمَّا عُذِّبَ الْأَعْبُدُ أَعْطَوْهُمْ مَا سَأَلُوا إِلَّا خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ، كَانُوا يُضْجِعُونَهُ عَلَى الرَّضْفِ فَلَمْ يَسْتَقِلُّوا مِنْهُ شَيْئًا»
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَنَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ بِلِسَانِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، مُوقِنٌ بِحَقِيقَتِهِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ عَزْمُهُ غَيْرُ مَفْسُوحِ الصَّدْرِ بِالْكُفْرِ، لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، فَاخْتَارَهُ وَآثَرَهُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَبَاحَ بِهِ طَائِعًا، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.