وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ قَالَ: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوهُ وَلِيًّا، وَأَشْرَكُوهُ فِي أَعْمَالِهِمْ""
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فَاسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ مِنْهُ، بِمَا نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عَلَى مَا عَرَضَ لَهُمْ مِنْ خَطَرَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ هَذَا الْقَوْلَ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، فَكَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِيُعِيذَهُمْ مِنْ سُلْطَانِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِمَا قُلْنَا إِنَّ مَعْنَاهُ: وَالَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
[عن] الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ:" {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} عَدَلُوا إِبْلِيسَ بِرَبِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ".
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، أَشْرَكُوا الشَّيْطَانَ فِي أَعْمَالِهِمْ.