إذن: إذا نفيتَ الهداية ، فالمراد هداية المعونة ، فعدم هداية الله انصبتْ على الكافر لكونه كافراً ، فكأن كُفْره سبق عدم هدايته ، أو نقول: لكونه كافراً لم يَهْده الله .
ولذلك يحكم الله على هؤلاء بقوله سبحانه:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) }
طبع: أي ختم عليها ، وإذا تأملتَ الختْم وجدتَ المقصود منه أن الشيء الداخل يظلّ داخلاً لا يخرج ، وأن الخارج يظل خارجاً لا يدخل .
وفَرْقٌ بين ختم البشر وختم ربِّنا سبحانه ، فقصارى ما نفعله أن نختم الأشياء المهمة كالرسائل السرية مثلاً ، أو نريد إغلاق مكان ما نختم عليه بالشمع الأحمر لنتأكد من غلقه ، ومع ذلك نجد مَنْ يحتال على هذا الختم ويستطيع فضّه وربما أعاده كما كان .
أما إذا ختم الحق سبحانه وتعالى على شيء فلا يستطيع أحد التحايل عليه سبحانه .
فالمراد إذن بقوله تعالى:
{طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ . .} [النحل: 108] .
أن ما فيها من الكفر لا يخرج منها ، وما هو خارجها من الإيمان لا يدخل فيها ؛ ذلك لأن القلب هو الوعاء الذي تصبّ فيه الحواس التي هي وسائل الإدراكات المعلومية ، وأهمها السمع والبصر .
فالبسمع تسمع الوحي والتبليغ عن الله ، وبالبصر ترى دلائل قدرة الله في كونه وعجيب صُنْعه مما يلفتك إلى قدرة الله ، ويدعوك للإيمان به سبحانه ، فإذا ما انحرفتْ هذه الحواسّ عما أراده الله منها ، وبدل أن تمدّ القلب بدلائل الإيمان تعطَّلتْ وظيفتها .
فالسمع موجود كآلة تسمع ولكنها تسمع الفارغ من الكلام ، فلا يوجد سَمْع اعتباريّ ، وكذلك البصر موجود كآلة تُبصر ما حرم الله فلا يوجد بصر اعتباري ، فما الذي سيصل إلى القلب إذن من خلال هذه الحواس؟