حذف المفعول في أربعة مواضع هي"لملت"و"ألجئوا"و"أدفأت"و"أظلت"لأن الأصل لملتنا وألجئونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا وقول الشاعر"ولو أن أمنا تلاقي الذي لا قوه منا لملت"يتضمن أن ما لا قوه منا قد بلغ من القوة إلى أن يجعل كل أم تملّ وتسأم وان المشقّة بلغت من ذلك حدا يجعل الأم له تمل الابن وتتبرم به مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد وذلك انه وإن قال"أمنا"فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها ولو قال لملتنا لم يصلح لأنه يراد به معنى العموم وان بحيث يملّ كل أم من كل ابن ، ومن ذلك حذف المفعول بعد فعل المشيئة كقوله:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرما ولم تهدم مآثر خالد
والأصل: لو شئت أن تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ثم حذف ذلك من الأول استغناء بدلالة في الثاني عليه ثم هو على ما تراه من الحسن والغرابة لأن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف
فليس يخفى أنك لو رجعت إلى الأصل لصرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس.
ويعلل عبد القاهر الجرجاني لجمال حذف المفعول بعد فعل المشيئة بأن في البيان بعد الإبهام وبعد تحريك النفس إلى معرفته لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك فأنت إذا قلت لو شئت علم السامع انك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء فهو يضع في نفسه أن هاهنا شيئا تقتضيه المشيئة فإذا قلت لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء.
[سورة النحل (16) : الآيات 37 إلى 42]