ويكفينا وَصْف هذه الحياة بالدنيا ، فليس هناك وَصْفٌ أقلّ من هذا الوصف ، والمقابل لها يقتضي أن نقول: العُلْيا وهي الآخرة ، نعم نحن لا ننكر قَدْر الحياة الدنيا ولا نبخسها حقها ، ففيها الحياة والحسّ والحركة ، وفيها العمل الصالح والذكْرى الطيبة . . الخ .
ولكنها مع ذلك إلى زوال وفناء ، في حين أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا يعتريها زوال ، ولا يهددها موت ، كما قال الحق سبحانه: {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .
أي: الحياة الحقيقية التي يجب أن نحرص عليها ونحبها .
ومن ذلك قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ . .} [الأنفال: 24] .
ما معنى (لِمَا يُحْييكُمْ) والقرآن يخاطبهم وهم أحياء يُرزَقُون؟ قالوا: يُحييكم أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا تزول .
وقوله:
{على الآخرة ...} [النحل: 107] .
لقائل أن يقول: إن الآية تتحدث عن غير المؤمنين بالآخرة ، فكيف يُقَال عنهم:
{استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . .} [النحل: 107] .
نقول: من غير المؤمنين بالآخرة مَنْ قال الله فيهم:
{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ} [النحل: 38] .
وأيضاً منهم مَنْ قال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 36] .
إذن: من هؤلاء مَنْ يؤمن بالآخرة ، ولكنه يُفضّل عليها الدنيا .
قوله تعالى:
{وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [النحل: 107] .
أي: لا يهديهم هداية معونة وتوفيق . وسبق أنْ قُلْنا: إن الهداية نوعان: هداية دلالة ، ويستوي فيها المؤمن والكافر ، وهداية معونة خاصة بالمؤمن .