فإنْ كانت الآيات قد سكتت عَمَّنْ أُكرهَ ، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره ، فقد بيَّنت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله أي: في الدنيا . ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة .
وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان ، كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صَدْراً ، وهم المنافقون ، ومنهم مَنْ أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه ، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي .
ثم يقول الحق سبحانه: {ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا . .} .
{ذلك} أي: ما استحقوه من العذاب السابق .
{ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . .} [النحل: 107] .
استحب: أي آثر وتكلَّف الحب ؛ لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أَنْ تُحبَّ لذاتها ، ولَوجدَ الأغيار بها كثيرة تتقلَّب بأهلها فلا يدوم لها حال ، ينظر فإذا الأحوال تتبدّل من الغنى إلى الفقر ، ومن الصحة إلى السَّقَم ، ومن القوة إلى الضعف ، فكيف إذن تستحب الدنيا على الآخرة؟!
والحق تبارك وتعالى يريد منّا أنْ نعطي كلاً من الدنيا والآخر ما يستحقه من الحب ، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها ، نحبها على أنها مزرعة للآخرة ، وإلاَّ ، فكيف نطلب الجزاء والثواب من الله؟
لذلك نقول: إن الدنيا أهمّ من أنْ تُنسى ، وأتفه من أن تكون غاية ، وقد قال الحق سبحانه: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا . .} [القصص: 77] .
ففهم البعض الآية على أنها دعوة للعمل للدنيا وأخذ الحظوظ منها ، ولكن المتأمل لمعنى الآية يجد أن الحق سبحانه يجعل الدنيا شيئاً هيّناً مُعرَّضاً للنسيان والإهمال ، فيُذكِّرنا بها ، ويحثُّنا على أن نأخذ منها بنصيب ، فأنا لا أقول لك: لا تنسَ الشيء الفلاني إلا إذا كنتُ أعلم أنه عُرْضَة للنسيان ، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في الإسلام .