والثّمن: العوض الذي يأخذه المعاوض.
وتقدّم الكلام على نظير هذا عند قوله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيّاي فاتّقون} في سورة البقرة (41) .
وذكرنا هناك أن {قليلاً} صفة كاشفة وليست مقيدة ، أي أن كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات.
وجملة {إنما عند الله هو خير لكم} تعليل للنّهي باعتبار وصف عوض الاشتراء المنهي عنه بالقلّة ، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم قدره.
و"ما عند الله"هو ما ادّخره للمسلمين من خير في الدنيا وفي الآخرة ، كما سننبّه عليه عند قوله تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} [سورة النحل: 97] الآية ؛ فخير الدنيا الموعود به أفضل مما يبذله لهم المشركون ، وخير الآخرة أعظم من الكلّ ، فالعندية هنا بمعنى الادِّخار لهم ، كما تقول: لك عندي كذا ، وليست عندية ملك الله تعالى كما في قوله: {وعنده مفاتح الغيب} [سورة الأنعام: 59] وقوله {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} [سورة الحجر: 21] وقوله: وما عند الله باق.
و {إنما} هذه مركّبة من (إن) و (مَا) الموصولة ، فحقّها أن تكتب مفصولة (ما) عن (إنّ) لأنها ليست (ما) الكافّة ، ولكنها كتبت في المصحف موصولة اعتباراً لحالة النّطق ولم يكن وصل أمثالها مطّرداً في جميع المواضع من المصحف.
ومعنى {إن كنتم تعلمون} إن كنتم تعلمون حقيقة عواقب الأشياء ولا يغرّكم العاجل.
وفيه حثّ لهم على التأمّل والعلم.
وجملة {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} تذييل وتعليل لمضمون جملة {إنما عند الله هو خير لكم} بأن ما عند الله لهم خير متجدّد لا نفاد له ، وأن ما يعطيهم المشركون محدود نافد لأن خزائن الناس صائرة إلى النفاد بالإعطاء وخزائن الله باقية.
والنفاد: الانقراض.
والبقاء: عدم الفناء.