وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّانِي فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ أَيْضًا فَالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَبْكَمَ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ، بَلْ هُوَ أَبْكَمُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ الْقَلْبِيَّ وَاللِّسَانِيَّ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ، وَمَعَ هَذَا فَأَيْنَمَا أَرَسْلَتَهُ لَا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ، وَلَا يَقْضِي لَك حَاجَةً، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ بِغَايَةِ الْكَمَالِ وَالْحَمْدِ، فَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ - وَهُوَ الْحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالَمٌ بِهِ، مُعَلِّمٌ لَهُ، رَاضٍ بِهِ، آمِرٌ لِعِبَادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأَهْلِهِ، لَا يَأْمُرُ بِسِوَاهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ وَالسَّفَهُ وَالْبَاطِلُ، بَلْ أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَهُمْ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وَأَمْرُهُ بِالْعَدْلِ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ، وَكِلَاهُمَا عَدْلٌ لَا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتِي بِيَدِك، مَاضٍ فِي حُكْمُك، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك» فَقَضَاؤُهُ هُوَ أَمْرُهُ الْكَوْنِيُّ.