وقد قيل: جالسوا من تذكركم الله رؤيته ويزيد في خيركم نطقه ، وقد قيل: إياك ومجالسة الأشرار فإن الطبع يسرق من الطبع وأنت لا تدري ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لم يجذك من عطره علقك من طيب ريحه ، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بشرره علقك من نتن دخانه"،
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، أي: أنه يجذبه خليله إلى دينه ومذهبه ، ولقوة هذا المعنى وتأثيره في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وليس إعداء الجليس بجليسه في خلقه بمقاله وفعاله فقط ، بل بالنظر إليه ، فالنظر في الصورة يؤثر في النفوس أخلاقا مناسبة لخلق المنظور إليه"فإن من دامت رؤيته لمسرور سر أو لمحزون حزن ، وليس ذلك في الإنسان فقط ، بل في الحيوانات والنبات."
فإن الجمل الصعب قد يصير ذلولا بمقارنة الذلل ، والذلول قد ينقلب صعبا بمقارنة الصعاب ، والريحانة الغضة قد تذبل بمقارنة الذابلة ، ولهذا يلتقط أصحاب الفلاحة الرمم عن الزرع ، لئلا تفسدها ومعلوم أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة إذا قربت منهما ، وذلك مما لا ينكره ذو تجربة ، فإذا كانت هذه الأشياء قد بلغت في قبول التأثير
هذا المبلغ فما الظن بالنفوس البشرية التي موضوعها على قبول صور الأشياء خيرها وشرها ، فقد قيل: إنما سمي الإنس إنسا ، لأنه يأنس بما يراه إن خيرا وإن شرا.
وللإنسان في المعاشرة ثلاثة أحوال:
إما أن يكون شكسا ، أي: قاسي الطبع ،