وقال: (وهل يأمر الحكيم بما لا يفعله ، وكيف يترك الكريم التفضل ويقتصر على العدالة وقد بين أن الفضل أكرم وأفضل ، تعالى عن أدنى المنزلتين ، وكيف لا يرجى تفضله وأفعاله كلها عدل وعدله كله تفضل ، لأنه مبتدئ بما لا يلزمه والابتداء بما لا يلزم تفضل ، وهل يجوز أن يترك التفضل انتهاء وقد تحراه ابتداء ؟!.
الظلم
الظلم: هو الانحراف عن العدل ، ولذلك حد بأنه: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به ، وقد تقدم أن العدل يجري مجرى النقطة من الدائرة فتجاوزها من جهة الإفراط عدوان وطغيان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (قد ضلوا ضلالا بعيدا(167)
والانحراف عنها في بعض جوانبها جور والظلم أعم الأسماء ، ولما كان
الظلم ترك الحق الجاري مجرى النقطة من الدائرة صار العدول عنه إما قريبا وإما بعيدا ، فمن كان عنه أبعد كان رجوعه إليه أصعب"ولذلك قال تعالى: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(60) "
تنبيها أن الشيطان متى أمعن بهم في البعد من الحق
صعب عليهم حينئذ الاهتداء ، ولأجل من فعل بهم الشيطان ذلك قال تعالى:
(أولئك ينادون من مكان بعيد(44) .
وأما المستعمل معهم الظلم فخمسة ، وهم الذين يجب استعمال العدل معهم وقد تقدم ذكرهم ، الأول: رب العزة ، الثاني: قوى النفس ، الثالث: أسلاف الرجل ، الرابع: معاملوه من الأحياء ، الخامس: عامة الناس إذا تولى الإنسان الحكم بينهم ،
وقد قال بعض العلماء: أظلم الناس من جار على نفسه ، ثم من جار على ذويه ، ثم من جار على كافة الناس ، وأفضلهم من عدل مع كافة الناس ، ثم مع عشيرته ، ثم مع نفسه
وهذا قول وارد بنظر عامي ، فإن الظالم لا يكون ظالما لغيره حتى يظلم أولا نفسه ، فإنه في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه ، فإذا الظالم أبدأ مبتدئ بظلم نفسه ، والعادل مع
الناس إذا هم بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره ، وقد قال بعضهم