الوفاء: أنْ تفِيَ بما تعاهدتَ عليه ، والعهود لا تكون في المفروض عليك ، إنما تكون في المباحات ، فأنت حُرٌّ أن تلقاني غداً وأنا كذلك ، لكن إذا اتفقنا وتعاهدنا على اللقاء غداً في الساعة كذا ومكان كذا فقد تحوَّل الأمر من المباح إلى المفروض ، وأصبح كُلٌ مِنَّا ملزماً بأن يفي بعهده ؛ لأن كل واحد مِنّا عطَّل مصالحه ورتَّب أموره على هذا اللقاء ، فلا يصح أنْ يفيَ أحدنا ويُخلِف الآخر ، لأن ذلك يتسبب في عدم تكافؤ الفُرص ، ومعلوم أن مصالح العبادِ في الدنيا قائمة على الوفاء بالعهد .
وقد ينظر البعض إلى الوفاء بالعهد على أنه مُلْزَمٌ به وحده ، أو أنه عِبْءٌ عليه دون غيره ، لكنه في الحقيقة عليك وعلى غيرك ، فكما طلب منك الوفاء طلبه كذلك من الآخرين ، فكلّ تكليف لك لا تنظر إليه هذه النظرة ، بل تنظر إليه على أنه لصالحك .
فمن أخذ التكليف وأحكام الله من جانبه فقط يتعب ، فالحق تبارك وتعالى كما كلفك لصالح الناس فقد كلَّف الناس جميعاً لصالحك ، فحين نهاك عن السرقة مثلاً إياك أنْ تظنَّ أنه قيّد حريتك أمام الآخرين ؛ لأنه سبحانه نهى جميع الناس أن يسرقوا منك ، فمَنِ الفائز إذن؟ أنا قيَّدت حريتك بالحكم ، وأنت فرْد واحد ، ولكني قيّدتُ جميع الخلق من أجلك .
كذلك حين أمرك الشرع بغضِّ بصرك على محارم الناس ، أمر الناس جميعاً بغضِّ أبصارهم عن محارمك . إذن: لا تأخذ التكليف على أنه عليك ، بل هو لك ، وفي صالحك أنت .
كثيرون من الأغنياء يتبرّمون من الإنفاق ، ويضيقون بالبذْل ، ومنهم مَنْ يَعُد ذلك مَغْرماً لأنه لا يدري الحكمة من تكليف الأغنياء بمساعدة الفقراء ، لا يدري أننا نُؤمِّن له حياته .
وها نحن نرى الدنيا دُوَلاً وأغياراً ، فكم من غنيٍّ صار فقيراً ، وكم من قوي صار ضعيفاً .