والظلم هنا أنْ تسلبَ الحق تبارك وتعالى صِفة من صفاته ، وتشرك معه غيره وهو خلقك ورزقك ، ومنه ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يُجرَّب عليه في يوم من الأيام أنْ قال خطبة أو ألقى قصيدة ، كما لم يُجرِّب عليه الكذب أو غيره من الصفات الذميمة ، ومع هذا كله قالوا عنه حينما نزل عليه القرآن كذاب وساحر ومجنون ، وأيُّ ظلم أعظم من هذا؟
ومن الظلم ظُلْم الإنسان لنفسه حينما يُحقِّق لها شهوة عاجلة ومُتعةً زائفة ، تُورثه ندماً وحَسْرة وألماً آجلاً ، وبذلك يكون قد ظلم نفسه ظلماً كبيراً وجَرَّ عليها ما لا تطيق ، ذلك فَضْلاً عن ظلم الإنسان لغيره بشتى أنواع الظلم وأشكاله .
إذن: الآية انتظمتْ مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن سلامة المجتمع بما جمعتْ من مكارم الأخلاق ، والأخلاق أعمُّ من أن تكون في الاعتقادات ، وأعمُّ من أن تكون في المعجزة إيماناً بها ، وأعمُّ من أن تكون في التكاليف ، وأعمُّ من أن تكون في أمر لا حَدَّ فيه ولا حُكْمَ ولا إثم .
وقوله:
{يَعِظُكُمْ . .} [النحل: 90] .
الوعظ: تذكير بالحكم ، فعندنا أولاً إعلام بالحكم لكي نعرفه ، ولكنه عُرْضة لأنْ نغفلَ عنه ، فيكون الوعظ والتذكير به ، ونحتاج إلى تكرار ذلك حتى لا نغفل .
وعادة لا تكون العِظَة إلا فيما له قيمة ، وما دام الشيء له قيمة فلا تصطفي له إلا مَنْ تحب ، كذلك الحق تبارك وتعالى يحب خَلْقه وصَنْعته ؛ لذلك يَعِظهم ويُذكِّرهم باستمرار لكي يكونوا دائماً على الجادة ليتمتعوا بنعم المسبِّب في الآخرة ، كما تمتعوا بنعمة الأسباب في الدنيا .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله ...} .