"ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على قبائل العرب ، وكان معه أبو بكر وعلي ، قال علي: فإذا بمجلس عليه وقار ومَهَابة ، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقام إليه مقرون بن عمرو وكان من شيبان ابن ثعلبة فقال: إلى أي شيء تدعونا يا أخا قريش؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"
{إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .
فقال مقرون: إنك دعوت إلى مكارم الأخلاق وأحسن الأعمال ، أفِكتْ قريش إن خاصمتْك وظاهرتْ عليك"."
أخذ عثمان بن مظعون هذه الآية ونقلها إلى عكرمة بن أبي جهل ، فأخذها عكرمة ونقلها إلى الوليد بن المغيرة ، وقال له: إن آية نزلت على محمد تقول كذا وكذا ، فأفكر الوليد بن المغيرة أي: فكَّر فيما سمع وقال: والله إن له لحلاوةً ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وأنه يعلو ولا يُعْلَى عليه ، وما هو بقول بشر .
ومع شهادته هذه إلا أنه لم يؤمن ، فقالوا: حَسْبُه أنه شهد للقرآن وهو كافر .
وهكذا دخلتْ هذه الآيةُ قلوبَ هؤلاء القوم ، واستقرتْ في أفئدتهم ؛ لأنها آيةٌ جامعةٌ مانعةٌ ، دعَتْ لكل خير ، ونَهتْ عن كل شر .
قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل . .} [النحل: 90] .
ما العدل؟ العدل هو الإنصاف والمساواة وعدم الميْل ؛ لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين ، لذلك سُمِّي الحاكم العادل مُنْصِفاً ؛ لأنه إذا مَثَلَ الخصمان أمامه جعل لكل منهما نصفَ تكوينه ، وكأنه قسَم نفسه نصفين لا يميل لأحدهما ولا قَيْد شعرة ، هذا هو الإنصاف .