فالنقض إبطال المحْلوف عليه لا إبطال القسم ، فجُعِل إبطال المحلوف عليه نقضاً لليمين في قوله: {ولا تنقضوا الأيمان} تهويلاً وتغليظاً للنّقض لأنه نقض لحرمة اليمين.
و {بعد توكيدها} زيادة في التحذير ، وليس قيْداً للنّهي بالبعدية ، إذ المقصود أيمان معلومة وهي أيمان العهد والبيعة ، وليست فيها بعدية.
و {بعد} هنا بمعنى (مع) ، إذ البعدية والمعيّة أثرهما واحد هنا ، وهو حصول توثيق الأيمان وتوكيدها ، كقول الشميذر الحارثي:
بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما...
دفنتم بصحراء الغُمَيْر القوافيا
أي لا تذكروا أنّكم شعراء وأن لكم شعراً ، أو لا تنطقوا بشعر مع وجود أسباب الإمساك عنه في وقعة صحراء الغُمير ، وقوله تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [سورة الحجرات: 11] ، وقوله: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.
والتّوكيد: التوثيق وتكرير الفتل ، وليس هو توكيد اللفظ كما توهّمه بعضهم فهو ضدّ النقض.
وإضافته إلى ضمير الأيمان ليس من إضافة المصدر إلى فاعله ولا إلى مفعوله إذ لم يقصد بالمصدر التجدّد بل الاسم ، فهي الإضافة الأصلية على معنى اللام ، أي التوكيد الثابت لها المختصّ بها.
والمعنى: بعد ما فيها من التوكيد ، وبيّنه قوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} .
والمعنى: ولا تنقضوا الأيمان بعد حلفها.
وليس في الآية إشعار بأن من اليمين ما لا حرج في نقضه ، وهو ما سمّوه يمين اللّغو ، وذلك انزلاق عن مهيع النظم القرآني.
ويؤيّد ما فسرناه قوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} الواقع موقع الحال من ضمير {لا تنقضوا} ، أي لا تنقضوا الأيمان في حال جعلكم الله كفيلاً على أنفسكم إذا أقسمتم باسمه ، فإن مدلول القسم أنه إشهاد الله بصدق ما يقوله المقسم: فيأتي باسم الله كالإتيان بذات الشاهد.