وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله تعالى أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات ، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره ، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية. فالمراد بقوله: {لا تعلمون شيئاً} أنه لا يظهر أثر العلم عليكم. ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق. ومعنى {لعلكم تشكرون} إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله. وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف {جعل} على {أخرج} أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن ، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} [البقرة: 7] أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟ ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: {ألم يروا إلى الطير مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء. وفي {جوّ السماء} أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو {ما يمسكهن إلا الله} بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران. ومن جملة أحوال الإنسان قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف {جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع {تستخفونها} أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل {يوم ظعنكم} أي في وقت ارتحالكم. والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة ، ثم استعمل في كل شخوص لسفر. {ويوم إقامتكم} لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان ، ويمكن أن يكون اليوم على