وقال الحسن: إعادة الخلق على اللَّه أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام. يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحهَ البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ) أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح البصر، ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثيل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ، وما قال: (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ، (وَلَا يُظلَمُونَ نَقِيرًا) ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرًّا كان أو خيرًا، وكذلك (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) و (نَقِيرًا) ، أي: لا يظلمون شيئًا، وكذا (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) أي: لا يملكون شيئا؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.
أو أن يكون تأويل قوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها مما مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .