وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ خُوطِبُوا عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى مَا تُرِكَ ذِكْرُهُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَذْكُورَ وَالْمَتْرُوكَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا عَدَّدَ نِعَمَهُ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَى الَّذِينَ قَصَدُوا بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَذَكَرَ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنْ أَدْبَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ عَمَّا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ، فَمَا عَلَيْكَ مِنْ لَوْمٍ وَلَا عَذْلٍ، لِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا بَلَاغُهُمْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {الْمُبِينُ} الَّذِي يَبِينُ لِمَنْ سَمِعَهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَهَا مَعَ مَعْرِفَتُهُمْ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفُوا نُبُوَّتَهُ ثُمَّ جَحَدُوهَا وَكَذَّبُوهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَا عَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ:"هِيَ الْمَسَاكِنُ وَالْأَنْعَامُ وَمَا يُرْزَقُونَ مِنْهَا، وَالسَّرَابِيلُ مِنَ الْحَدِيدِ وَالثِّيَابِ، تَعْرِفُ هَذَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، ثُمَّ تُنْكِرُهُ بِأَنْ تَقُولَ: هَذَا كَانَ لِآبَائِنَا، فَرَوَّحُونَا إِيَّاهُ".