قَالَ:"إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِمْ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} وَمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ السُّهُولِ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ جِبَالٍ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} وَمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ وَبَرٍ وَشَعَرٍ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} ، يُعَجِّبُهُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ وَمَا أَنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ بِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} وَمَا تَقِي مِنَ الْبَرْدِ، أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ؟ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ".
فَالسَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ السَّرَابِيلَ بِأَنَّهَا تَقِي الْحَرَّ دُونَ
الْبَرْدِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هُوَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَقِيهِمْ مَكْرُوهَ مَا بِهِ عَرَفُوا مَكْرُوهَهُ دُونَ مَا لَمْ يَعْرِفُوا مَبْلَغَ مَكْرُوهِهِ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْرُفِ الْأُخَرِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ذَكَرَ ذَلِكَ خَاصَّةً اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا مِنْ ذِكْرِ الْآخَرِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ السَّرَابِيلَ الَّتِي تَقِي الْحَرَّ تَقِي أَيْضًا الْبَرْدَ وَقَالُوا: ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُسْتَعْمَلٌ، وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
فَقَالَ: أَيُّهُمَا يَلِينِي: يُرِيدُ الْخَيْرَ أَوِ الشَّرَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَيْرَ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْخَيْرَ فَهُوَ يَتَّقِي الشَّرَّ.