وَقَالَ آخَرُونَ:"إِنْكَارُهُمْ إِيَّاهَا، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلَا فُلَانٌ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلَا فُلَانٌ مَا أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا".
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ رَزَقَكُمْ، أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَهُمْ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: رُزِقْنَا ذَلِكَ بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ} النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ دَاعِيًا إِلَى مَا بَعَثَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنَ آيَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا بُعِثَ بِهِ، فَأَوْلَى مَا بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى يَدُلُّ عَلَى انْصِرَافِهِ عَمَّا قَبْلَهُ وَعَمَّا بَعْدَهُ فَالَّذِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} وَمَا بَعْدَهُ: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} وَهُوَ رَسُولُهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ بِكَ، ثُمَّ يُنْكِرُونَكَ وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتِكَ {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}
يَقُولُ: وَأَكْثَرُ قَوْمِكَ الْجَاحِدُونَ نُبُوَّتَكَ، لَا الْمُقِرُّونَ بِهَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 14/}