{كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي: مثل ذلك الإتمام البالغ يتمّ نعمته عليكم ، فإنه سبحانه قد منّ على عباده بصنوف النعم المذكورة ها هنا وبغيرها ، وهو بفضله وإحسانه سيتمّ لهم نعمة الدين والدنيا.
{لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} إرادة أن تسلموا ، فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلاّ الإسلام والانقياد للحق.
وقرأ ابن محيصن ، وحميد"تتم نعمته"بتاءين فوقيتين ، على أن فاعله نعمته ، وقرأ الباقون بالتحتية على أن الفاعل هو الله سبحانه.
وقرأ ابن عباس ، وعكرمة"تسلمون"بفتح التاء واللام من السلامة من الجراح ، وقرأ الباقون بضم التاء وكسر اللام من الإسلام.
قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة ، لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح.
وقيل: الخطاب لأهل مكة أي: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية ، والأولى الحمل على العموم ، وإفراد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين} أي: إن تولوا عنك ولم يقبلوا ما جئت به ، فقد تمهد عذرك ، فإنما عليك البلاغ لما أرسلت به إليهم {المبين} أي: الواضح ، وليس عليك غير ذلك ، وصرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له.
وجملة {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} استئناف لبيان توليهم ، أي: هم يعرفون نعمة الله التي عدّدها ، ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه ، ثم ينكرونها بما يقع من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة ، حيث يقولون: هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام.
وحيث يقولون: إنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم ، وأيضاً كونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الربّ سبحانه ، وفي وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها.